بطل من زمن داعش

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
15/06/2015 06:00 AM
GMT



حسنًا، كنا نعرف أن هناك كنوزًا من المخطوطات والمؤلفات النادرة، محفوظة في مكتبة دير الآباء الدومنيكان في الموصل، لكن من يعرف كيف مرّت من تحت أعين «داعش»، وعلى أي جناح طار بعض منها وحطّ في باريس؟ أرتقي الأدراج الرخامية التاريخية للمركز الوطني للأرشيف الفرنسي وأصل إلى قاعة المعرض، في الطابق العلوي. أقف أمام صورة للساعة التي كانت الإمبراطورة أوجيني قد أهدتها للدير بعد تشييده، فتوسطت برج كنيسته، تحت الناقوس النحاسي الكبير. ومنذ 135 سنة، يمر المواصلة بكنيسة الساعة ويضبطون أوقاتهم على عقاربها.
أبحث عن الكاهن الذي يعود له الفضل في حماية كنز الدير فيقال لي إنه خارج المدينة. ما ضير؟ إن الهواتف الحديثة تأتيك بمن تطلب في ثوانٍ.
 أتصل بالأب نجيب ميخائيل الدومنيكاني وأسمع منه الحكاية التي تصلح لفيلم من أفلام المغامرات والمطاردات.
 قال إن التهديدات بدأت منذ 2007 حين وضع مجهولون عبوات ناسفة أمام برج الساعة.
 أيقن أن عليه أن يتحرك بسرعة لإنقاذ مكتبة الدير وما فيها من مخطوطات ووثائق لا تقدر بثمن.
 وكانت الفكرة تقضي بنقل كامل المحتويات إلى مدينة قره قوش، على مبعدة نصف ساعة شرق الموصل.
 وتم التنفيذ. ومع فجر كل يوم، أو في ساعة المغيب، طوال سنة كاملة، كانت سيارات صغيرة محملة بصناديق الكتب والوثائق، تخرج من الدير حتى الانتهاء من نقل 55 ألف كتاب ومعها محتويات مركز توثيق المخطوطات المرقمنة وكل مقتنيات متحف الآباء الدومنيكان، ذاكرة أهالي الموصل.
 وقبل ذلك، كان الأب نجيب، البالغ من العمر ستين عامًا، قد شمّر عن ساعديه لتصوير أكثر من 8 آلاف مخطوط تعود لكل كنائس العراق، حفظًا لها من الاندثار.
في العاشر من يونيو (حزيران) الماضي، قبل سنة من الآن، وقعت الموصل بأيدي «داعش». وجدوا مكتبة الدير فارغة وكل محتوياتها في قره قوش.
 ثم جاءت الأخبار، بعد شهرين، أن مقاتلي التنظيم الدموي في طريقهم نحو قره قوش.
وتجددت المغامرة وكان لا بد من تأجير شاحنة كبيرة لنقل المخطوطات والصور والوثائق إلى أربيل، هذه المرة.
 وهي الشاحنة التي غادرت المدينة بعد منتصف ليلة السادس من أغسطس (آب)، قبل سويعات من دخول «داعش» إليها. وفي أربيل، وجد الأب نجيب عشرات العائلات الفقيرة المهجرة من الموصل، تفترش الأرصفة. فكان عليه أن يهتم بـ«الجلود الحيّة»، حسب قوله، إلى جانب اهتمامه بالمجلدات الصماء.
 هل يمكن فصل الإنسان عن حضارته؟
 وفي عمارات غير مكتملة التشييد، استعارها من أصحابها، أنشأ مُجمّع «الكرمة» ومُجمّع «الأمل»، ضم الأول 90 عائلة والثاني 165 عائلة من المسيحيين واليزيديين الذين طردوا من قراهم.
 إن صوته يتقطع من التأثر، عبر الهاتف، وهو يروي كيف يتقاسم الجميع أفراحهم والأحزان، يغنون ويدبكون يدًا بيد أو يجهشون سوية.
في باريس، كان الآباء الدومنيكان يحتفلون باليوبيل 800 لتأسيس رهبنتهم.
 وعرضوا على الكاهن العراقي أن يساهم في الاحتفالية بمعرض يضم مختارات من كنوز دير الموصل.
 وهكذا شاهدنا هذه المعروضات، وبينها صورة نادرة تعود لأواخر القرن التاسع عشر، لمطبعة الدير وقد أحاط بها العمال الذين كانوا يشتغلون عليها.
 رجال بعيون مندهشة، يحدقون في الكاميرا العجيبة، يرتدون الصايات ويعتمرون الطربوش القصير المعروف محليًا بـ«الفيس». أما المطبعة فكانت من نوع «ماريوني»، نُقلت من فرنسا إلى الموصل عام 1860، وكانت أول مطبعة تدخل العراق لتخرج منها مئات الكتب الدينية والمقررات المدرسية ومؤلفات في قواعد اللغة العربية. ولم تقتصر جهود الرهبان عليها، بل أسسوا المدارس للبنين والبنات ومستوصفات العلاج ودور الأيتام ولم يعرف عنهم نشاط تبشيري في المدينة المحافظة التي اشتهرت بتمسك مسلميها بأهداب دينهم.
وباستثناء بعض الرسائل الممهورة بالأختام الشخصية لعائلات موصلية ومصحف أثري من القرن الثاني عشر الميلادي، مفتوح على سورة مريم، من مقتنيات المكتبة الوطنية الفرنسية، فإن كل المعروضات هي نسخ مصورة بتقنيات عالية والحجم الطبيعي.
 أين الأصل؟
 أسأل الأب نجيب، سليل قرية سناط الشمالية التي أعطت البلد باقة من المثقفين الفنانين، خريج معهد النفط العالي في بغداد وأستاذ اللاهوت، فيجيب بأن الأصل لا يمكن أن يغادر العراق، ما لم يتعرض للخطر.